خبراء: تلويح ترامب بالانسحاب من اتفاق باريس للتغير المناخي يضع الأردن بموقف صعب

















تضع تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بانسحاب بلاده من اتفاق باريس للتغير المناخي، الأردن في مواجهة البحث عن بدائل تمويلية لمشاريع التكيف مع ظاهرة الاحتباس الحراري، وفق خبراء أكدوا أنه "ليس أمام الأردن من خيار سوى الالتزام بذلك الاتفاق".

ورغم تفاؤل خبراء بيئيين بأن ترامب لن يمضي قدما في قراره هذا، "عقب إعلانه إعلاميا الانفتاح على اتفاق باريس"، الا ان الأردن "يبقى أمام خيار فتح أبواب جديدة للشراكة مع القطاع الخاص المحلي للوفاء بالتزاماته بشأن المناخ".

وكان ترامب توعد بـ"إلغاء" الاتفاق الذي تبناه 195 بلدا نهاية العام 2015 خلال قمة باريس المناخية، والذي يهدف إلى احتواء ارتفاع حرارة الأرض بحيث يبقى دون درجتين مئويتين، حيث صادقت الولايات المتحدة، ثاني أكبر الدول الملوثة بعد الصين، على الاتفاق في ايلول (سبتمبر) الماضي بدفع من الرئيس السابق باراك أوباما.

على أن وزير البيئة ياسين الخياط يرى أن "انسحاب واشنطن من اتفاق باريس امر في غاية الصعوبة، ويحتاج لوقت طويل، لكن كل ما يمكن أن يحدث هو عرقلة الاجراءات المتعلقة بالتغير المناخي".
ويقول إن "المتتبع للأنباء المتداولة اعلاميا يلاحظ أن كثيرا من الاعلانات الصادرة عن ترامب اثناء حملته الانتخابية ذهبت باتجاهات مختلفة، وتم التراجع عن بعضها وقد يكون الأمر ذاته فيما يتعلق باتفاق باريس".

يذكر أن البند الثامن والعشرين من اتفاقية باريس ينص على أن أي دولة تريد الانسحاب من الاتفاقية بعد التوقيع، يتوجب عليها الانتظار أربعة أعوام؛ الأمر الذي يعني أن تاريخ الانسحاب سيوافق وقت الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة، وهو ما قد يغير المعادلة جذريًا.

ويضيف الخياط أن "انسحاب الولايات المتحدة لا يعني ان الدول الاطراف في الاتفاقية لن تمضي قدما في تنفيذ التزاماتها التي وقعت عليها، لأن تأثيرات التغير المناخي ظاهرة للعيان، كما ان هناك ادراكا بأهمية الانتقال للطاقة النظيفة المتجددة".

ويأمل بأن "لا تعرقل الولايات المتحدة الاجراءات والمضي قدما في التزاماتها، مع أهمية استمرار الاردن والدول الاخرى ببذل جهودها لتنفيذ ما ورد في الاتفاق، إذ أن أي تاخير ليس في صالح أحد".

ويسعى الاردن إلى "تخفيض 12.5 % من التزاماته في الغازات الدفيئة، إلا أن ذلك يرتبط بشكل اساسي بتوفير تمويل من الآن وحتى العام 2030"، وفق الخياط الذي "أبدى تفاؤله بأن يكون هناك تمويل من الدول المانحة".
ورغم ذلك، إلا أن الخياط يرى أن "الدخول ضمن تحالفات عربية لتشكيل قوى ضاغطة على الدول للوفاء بالتزاماتها بشأن التمويل هو امر ضروري، لكن يحتاج لدراسة معمقة والنظر لايجابياته وسلبياته في الوقت ذاته، وما إذا كان ذلك يصب في مصلحة الاردن ام لا".

وتتسبب الولايات المتحدة في انبعاث حوالي 18-20 % من الغازات الضارة، وتعد واحدة من أكثر دول العالم تسببا في الانبعاثات الغازية الملوثة للبيئة إلى جانب الصين، التي تتطلع إلى لعب دور قيادي في هذا الصدد.
"
وبصرف النظر عن مصادر وكمية التمويل التي ستوفرها الدول الصناعية لتخفيف آثار التغير المناخي على الدول النامية المتأثرة، فإن علينا التفكير بآليات تضمن ان التمويل سيذهب الى مشاريع ذات أولوية وذات آثار مستدامة تزيد من منعة المدن والقرى الأردنية وقدرتها على التكيف مع تلك الظاهرة، ضمن القطاعات التنموية المختلفة"، وفق المديرة التنفيذية لجمعية إدامة للطاقة والمياه والبيئة ربى الزعبي.

وتوضح الزعبي أن من "اهم البدائل التمويلية هي توجيه القطاع الخاص لدعم المشاريع من خلال آليات تنسجم مع احتياجات السوق وتحفز تنافسية الشركاء، ضمن قطاعات الطاقة المتجددة وكفاءتها للتوسع في تطبيقات وابتكارات التكنولوجيا النظيفة التي تخدم السوق الاردني والمجتمعات المحلية مثل المياه والزراعة والسياحة والصناعة". 

وتبين أن الاعتماد على الكفاءات ومصادر التمويل الاردنية وتمكينها هو سر نجاح المملكة في التصدي لتبعات تغير المناخ وخلق اقتصاد منع ومستدام على الامد البعيد". 

فيما أعربت عن أملها في أن "تفي الدول التي تسهم في الانبعاثات بالتزاماتها من خلال آليات تساعد الاردن على التعامل مع مشكلاته بأسلوب مستدام خاصة في ظل الارتباط الكبير بين آثار اللجوء والتدهور البيئي وانعكاسات ذلك على خدمات البنية التحتية ونوعية الحياة".

الى ذلك، أظهرت دراسة أعدها مكتب دراسات الطاقة والأبنية الخضراء في الأردن أن "قيمة الضرر الذي يسببه التلوث البيئي بلغ 1.869 بليون دولار أميركي العام الماضي، أي ما نسبته 5 % من مجمل الدخل القومي".
وفي ظل هذه الأرقام حذر رئيس المكتب الدكتور أيوب أبو دية "من انسحاب الولايات المتحدة الأميركية أو الدول التي تسهم في نسب كبيرة في انبعاثات الغازات الدفيئة من التزاماتها باتفاق باريس"، واصفا تلك الخطوة بأنها "كارثة كبرى على دول العالم".

لكنه يعرب عن اعتقاده بـ"أن يتراجع الرئيس ترامب عن قراراته كما فعل في بعض منها، في وقت يبدو أن قرار الانسحاب ليس بيده وحده لأن المسألة لم تعد سياسية بل اقتناع بخطورة آثار التغير المناخي على العالم، وتأثيرات مثل تلك القرارات مستقبلا على وضع الدول المتأثرة".

ولفت إلى أن "ترامب يعبر في تصريحاته بالانسحاب عن مصالح بعض الجهات، لكن الواقع يشير إلى ان عقارب الساعة لا يمكن أن تتراجع للخلف"، موضحا أن "مسألة ضخ التمويلات في صندوق التكيف مع التغير المناخي ليس من الجانب الاميركي وحده، بل هناك ثقل كبير للأوروبيين في هذا الشأن، ولذلك فإن قوى الشد العكسي ستلعب دورا كبير في اعادة الولايات المتحدة للمسار الصحيح".

واعتبر ابو دية أنه "في حال انسحاب الولايات المتحدة من تفاق باريس فإن ذلك لن يؤثر على موقف الاردن والتزاماته، لأنه الخيار الوحيد أمامه، وليس من مصلحته سوى السير قدما في تعهداته".

ولعل ما حققه الاردن في مجال الطاقة المتجددة يعد إنجازا واضحا "خاصة أن هناك خطوات تتم على صعيد التكيف مع التغير المناخي، من خلال تمويل مشاريع في هذا المجال من جهات مختلفة كالأوروبيين مثلا".

لكن على الأردن، بحسب أبو دية، "ان يحسن من مصادر المشتقات النفطية كذلك للتخفيف من مساهمته في الغازات الدفيئة وإن كانت لا تغطي سوى 0.1 %، كما لا بد أن يتجه إلى توسيع المساحات الخضراء وإقامة الحدائق".
ووفق دراسة للبنك الدولي العام 2006 فإن الأردن "يخسر 2.2 - 2.3 % من الدخل القومي بسبب التدهور البيئي، ولذلك فإن ارتفاع الرقم العام 2016 يؤشر على مدى تدهور الأوضاع البيئية في المملكة، في وقت لا يتجاوز حجم أضرار التدهور البيئي في أغلب دول الشرق الأوسط 3 % من مجمل ناتجها القومي".

ورغم ان الولايات المتحدة الاميركية حددت 100 مليار دولار كحد أدنى كمساعدات مناخية للدول النامية سنويا، والذي وصفه مدير عام الجمعية الملكية لحماية الطبيعة يحي خالد "بحصة الأسد"، إلا أن "تراجعها عن الاتفاق لن يشكل ضغوضات على الأردن باتجاه عدم السير قدما بالتزاماتها".

ولفت إلى أن "معظم التمويلات التي تضخ في صندوق التكيف مع التغير المناخي تذهب لدول افريقيا والهند التي تعد الأكثر تأثرا، في وقت لا يحصل الاردن إلا على نحو 8 ملايين دولار من هذه الاموال"، علما أن القيمة التي تدفعها الولايات المتحدة سيتم إعادة النظر فيها العام 2025 على أقصى تقدير.
وأضاف، أن "على الأردن البحث عن خيارات اخرى والتفكير خارج الصندوق من اجل تنفيذ مشاريع للتكيف مع التغير المناخي مثل الحصول على منح ودعم من اليابان والاتحاد الأوروبي".​